إلى عفراء
إلى عفراء…
هذا آخر ظرف أفتحه، والهدف الأخير الذي خبأته الأيام بين طياتها.
في داخله صورة لطفلة كانت حينها في الثالثة عشرة من عمرها، توقفت طويلًا أمامها، وكأنني أحاول أن أستعيد من ملامحها شيئًا ضاع مني قبل خمسة عشر عامًا.
تأملت تلك البراءة اللطيفة، وتلك الملامح التي لم تكن تعرف يومها كم ستترك من أثر. وشعرها الحريري الداكن، كان يحمل من السواد ما يكفي ليختصر سواد هذا الكون بأكمله، ومع ذلك كان وجهها يضيء الصورة كأنها لم تعرف يومًا معنى العتمة.
كانت عفراء جميلة…
ليس الجمال الذي تراه العين وتنتهي الحكاية عنده، بل ذلك الجمال الذي يسكن الذاكرة، ويظل حاضرًا حتى بعد أن تتغير السنوات والوجوه والأيام.
غابت عفراء خمسة عشر عامًا، وغابت معها حكاية ظننت أن الزمن دفنها إلى الأبد. ثم عادت… لكن عودتها لم تكن عودة الأولى.
عاد الاسم، وعادت الملامح، وعادت أشياء كثيرة ظننت أنني نسيتها، لكن شيئًا واحدًا لم يعد كما كان… نحن.
بحثت في عينيها عن تلك الفتاة التي عرفتها ذات يوم، فوجدت امرأة صنعتها السنوات، ووجدتني أنا أيضًا رجلًا لم يعد يشبه ذلك الذي تركته خلفها.
ربما لم تكن عودتها لتعيد الماضي، بل لتخبرني أن بعض الأشخاص لا يغادروننا حقًا؛ هم فقط يبتعدون حتى نلتقي بهم من جديد، فنكتشف أن أجمل ما في الحكاية لم يكن أن تعود، بل أنني كنت محظوظًا ذات يوم لأنني عرفتك.
عفراء…
لو أنني أملك أن أعود إلى تلك الصورة، لما طلبت من الطفلة فيها أن تكبر، ولا من الأيام أن تمضي. كنت سأتركها كما هي؛ بثوب طفولتها، وببراءتها، وبذلك الشعر الأسود الذي أحببته قبل أن أعرف أن بعض التفاصيل الصغيرة يمكن أن تسكن القلب خمسة عشر عامًا.
عادت عفراء…
لكنها لم تعد الأولى.
وربما لهذا السبب بالذات، سأحتفظ بهذه الصورة؛ لأنها لا تحمل امرأة عادت، بل تحمل طفلة لم تعد موجودة إلا في صورة… وفي جزء بعيد جدًا من قلبي.
….بوهيمي.